الأحد، 12 يونيو 2011

العودة إلى السلفية!




أيمن عبد الرسول
في ندوة لي منذ أكثر من عشر سنوات، كان يحضرها أحد كبار العلمانيين المصريين، وبدأت حديثي عن تجديد الخطاب الإسلامي موجهًا إلى جمهور مختلط، مسلم ومسيحي وبهائي، بكلمة تلقائية، أغضبته، وجعلته وهو القطب العلماني الكبير يشكك في كوني علمانيًّا، وأنه لا يمكنه التجاوز عن هذه الخطية المدنية والأكاديمية حسب نص تعبيره وقتها، فماذا قلت؟
قلتها بمنتهى الاعتيادية، وحسن النية والمحبة والسلام، ولو على طريقة المطرب الشعبي حكيم: السلام عليكم!
ومر الموقف، وقد أُحرجت علمانيًّا، وجرحت في صميم علمانيتي التي أعتز بها بعد إسلامي ومصريتي وعروبتي، غير أنه وضعني بعدها ولسنوات طوال أمام فكرة الأصولية العلمانية، نعم الأصولية بمعنى Fundamentalism وترجمتها الحرفية "الماضوية" وتستخدم عادة كنقيض للعلمانية Secularism وترجمتها الحرفية بعد العودة إلى جذورها اللاتينية "الزمانية"، فأنا أزعم أن معظم إن لم يكن كل العلمانيين المصريين، يتعاملون مع العلمانية بذهنية أصولية، ويسيئون إلى المصطلح بممارسات شكلية، لا تقل تفاهةً عن نظيرها الأصولي، أقصد في التيارات الإسلامية المتشددة، فهناك تشدد علماني شكلاني، يعبر عن مراهقة فكرية، وتدوير نفايات لا تخصنا على أرضنا، وفي مجتمعنا المصري، المؤمن ببراح رحمة الله، والعملي جدًّا في تعامله مع إلهه من لدن آمون وحتى الله جل وعلا، والذي يرفض الإلحاد لأسباب عملية أيضًا، فالمثل المصري العبقري القائل: "ربنا عرفوه بالعقل".. هو أصدق تعبير عن عملية التدين الذي بدا لي وخلال دراسات معتبرة طبيعيًّا، لأنه ـ أي التدين ـ والإيمان بالبعث والخلود والحساب، وغيرها من أسس الدين، اختراع مصري، قبل وصول العناية الإلهية إلى العالم بالرسالات، ولأننا شعب متدين، حتى الملحد منا مُلحد على كتالوج الدين الذي ألحد فيه، ولديه إيمان عميق، نعم إيمان، بأن إلحاده هو الصواب المطلق، تخيل.. مؤمن جدًّا بإلحاده!
وهكذا، خلال سنوات طويلة، ومناقشات عميقة وكبيرة، نحاول أن نُفهم الناس في بلدنا مصر، ما هي العلمانية، تارة نقول فصل الدين عن السياسة لنرفع الدين في أعلى عليين، ونحافظ عليه، ثم لننظر إلى أحوال من يدعون أنهم يطالبون بالفصل حفاظًا على الدين، لا يسخرون ولا ينتقدون ولا يفهمون إلا في تشويه الدين، أي دين، ويتكالبون على تاريخ المسلمين وفقط، يحاولون طرح قضاياه على مائدة النقد، وهم في الحقيقة المُفجعة يقصدون هدم الدين، أي دين، وكل دين، ويستخدمون التاريخ بنفس الذهنية الأصولية الانتقائية، وكلٌّ يقرأ التاريخ برؤيته، ويعيد إنتاج أساطيره لتتناسب مع كل مخيلة، فالمتطرف لا يجد إلا عصرًا ذهبيًّا ومثاليات في مثاليات، ويختزل تاريخًا مريرًا من الخلافة الإسلامية في سنوات حكم المستبد العادل، عمر بن الخطاب، وعلى النقيض يقف العلماني إذا كان دارسًا جيدًا للتاريخ الإسلامي من مصادره، ويرى أنه تاريخ غلمان وخصيان ومجون، ودم وتآمر واستغلال الدين لاستعباد البشر بالاحتلالات العربية، وأصبحت مناظرات الفريقين تدور حول هاتين الرؤيتين، إما تاريخ المسلمين لا تشوبه شائبة على الطريقة الإسلاموية، أو هو تاريخ مخزٍ أمام الإنسانية على الطريقة العلمانوية، ونسى الفريقان أنه تاريخ بشر، لا آلهة ولا أنبياء معصومين، الأول دمج التاريخ في مقدساته وقرر تكفير من ينتقده، والثاني ـ أي العلمانوي ـ صدق زعم الأول وراح يهاجم التاريخ ظنًّا منه أنه هكذا يحارب الدين، أو مقدس الآخر!
المفارقة مرعبة، تنويرنا أصولي، وعلمانيتنا سلفية، وسلفيتنا ليست سلفية، نعم سلفيتنا ليست سلفية، وإنما هي "سلفية تايواني" لا علاقة لها بالإسلام إذا دخل مصر، ولكنها وطيدة الصلة بنفايات الآخرين أيضًا، فالإسلام المصري لا يقبل سوى سلفيته، وسلفيته الخاصة هي مزيج من عادات وتقاليد المجتمع المصري، والإسلام في صورته الفطرية الأولية، بلا تنظير ولا تعقيد، مسلم، يُصلي، يصوم، ويؤتي الزكاة لمستحقيها، يحج أول ما يستطيع إلى ذلك سبيلاً، وربما أكثر من مرة وقبل كل هذا، وبعد كل هذا يستخدم كلمة "لا إله إلا الله" للدلالة على التعجب، وسبحان الله، ويحمد الله في السراء والضراء مقرنًا الحمد والثناء بالرضا: "الحمد لله.. رضا"!
أين كل تنظيرات العلمانيين الشكلانية، ونقدهم الحاد للمجتمعات التي تدين بالأديان عمومًا وليس الإسلام فقط، فلو أنهم يملكون الشجاعة الفكرية، والأمانة العلمية المدعاة، ولا يخافون كما يدعون، لو أنهم يمشون على خطى سقراط، أول الفلاسفة، لقالوا صراحةً كل ما يقولونه في الغرف المغلقة ومع نخبهم ومريديهم، ولكانوا أول من يثور على النظم السياسية الاستبدادية التي عضدوها، في حروبهم على كل ما يمت لكل ما هو ديني بصلة، الإسلام أول المستهدفين، الإسلام لا المسلمين، الإسلام لأنه من وجهة نظرهم التي لا تمتّ لمجتمعات الكتاب/ الدينية، بصلة، هو دين يحث أتباعه على العنف، ولا يقبل الآخر، ويقلل من شأن المرأة، ويقسم المجتمعات إلى سادة وعبيد، لكنهم لا يملكون الشجاعة في القول بأن رأيهم أن الإسلام دعوة سياسية، لا دينية، وأن الإسلام طموح سياسي أسست له قريش من أول قصي بن كلاب، ليخرج لنا محمد برسالة يدعي أنها من وحي السماء، ويستشهدون بكلام لأحد المستهزئين، وهو خليفة مسلم في النهاية، "تلاعب بالخلافة هاشمي/ بلا وحي أتاه ولا كتاب، فقل لله يمنعني طعامي، وقل لله يمنعني شرابي"!
لو أنهم أسسوا لمناخ الحرية التي يروِّجون لها على كتالوج مستورد هو الآخر، فهم دائمًا ما يتهمون السلفيين باستيراد السلفية الوهابية، من شبه الجزيرة العربية، وفي كل مسامرة علمانية، لا بد من التأكيد على هذه المعلومة، وكأن علمانيتهم السلفية المشوهة اختراع مصري، أقول إنهم لا يؤسسون إلا لحريتهم هم، ويحتكرون الحديث باسم الحرية، ويعادون كل ما هو ديني رغم أن عداء الآخر لاختلافه، أو السخرية منه، وتسفيهه طول الوقت، وتحقير شأنه، وإشعاره بدونيته وعدم فهمه وجهله، هي السور الذي وضعه العلمانيون المصريون بينهم وبين جمهور المصريين، ولأن أغلب العلمانيين ـ وقد كنت مثلهم بالمناسبة ـ نرجسيون، ذاتيون، لا يجيدون التعامل مع ذويهم الأقربين، لأنهم استمرؤوا حالة الاغتراب، وسموها نخبوية، وحالة عدم التواصل مع المجتمع وسموها "مفكرين بقى"، وسخروا من الناس، كل الناس، والأهم والأخطر من دين الناس، كل الناس أيضًا، فلن يقبلهم المصري البسيط مسلمًا أو قبطيًّا، بهائيًّا أو ملحدًا، إلا الملحد على طريقتهم، التي ترفع دينًا على دين، وتزكي أناسًا على آخرين، والمعيار أصله فاسد ويعاني من الالتباس.
سيقول السفهاء: دا قابض من السلفيين، أو ممرور لأنه لم يكن لنفسه مكان بين العلمانيين، وسيتوقع البعض أنني سأتبرَّأ مما كتبت على مدى 18عامًا، ومن كتابي في نقد الإسلام الوضعي، وفي نقد المثقف والسلطة والإرهاب، وأقول لهم: الذي قبضته من العلمانيين هو الذي أقبضه من السلفيين أو غيرهم، وهو احترامي لذاتي ولبني بلدي، ولديني كما أحترم أديان الآخرين، أما المكان والمكانة فالله الغني عن سمعة تلحق بي عار الإلحاد من بعد الإيمان، أما ما كتبت فيعلم الله، أنني كتبته بغرض إصلاح ما أفسده بعض المسلمين في إسلامنا، وكنت فعلاً وحقًّا وبحثًا، أريد الإصلاح ما استطعت، وإن كنت فهمت غلط "شويتين" فلي أجر الاجتهاد، والنوايا لا يعلمها إلا الله، ولا يعني مقالي هذا أنني أصبحت سلفيًّا، ولو أن السلفية على مستوى العقيدة الإسلامية هي الأقرب إلى مدرسة الفطرة، وأعني السلفية العقدية، وهي العقيدة الوسطية، ولن أدافع عنها الآن، لأن لي ملاحظات أيضًا على المروجين لها كملاحظاتي على العلمانيين، ولكنه يعني أن العبد لله الضعيف يقول بعد سنوات من اعتناق العلمانية كتيار سياسي وفلسفي، وبفضل أغلب العلمانيين المصريين: "هذا فراقٌ بيني وبينكِ".. لأنه تيار بني على باطل فلسفي، ولا يتناسب مع المجتمع المصري، ولا حاجة فكرية ولا سياسية بالمناسبة لنا به.. الحقيقة أن المسلمين ليسوا بحاجة إلى علمانيين ملحدين ليعرفوهم دينهم، ويشوهوه، وهم لا يحترمون أوامره بعدم السخرية من المتدينين أما لصالح من؟ فهذا كلام آخر شرحه يطول..
وختامًا: لما رأيت مدعي العلمانية في مصر لا يجتهدون في صياغة علمانية مصرية، ولا تصدق مقالاتهم أفعالهم، ولأنني مؤمن تمامًا أن الإنسان هو ما يفعل لا ما يقول.. أقول قولي هذا. وأستغفر الله العظيم لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
وإلى المُلتقى!

الاثنين، 6 يونيو 2011

الهزيمة اسمها.. هيكل!


PDF طباعة إرسال إلى صديق
أيمن عبد الرسول   
الاثنين, 06 يونيو 2011 
"رجل لكل العصور".. هذه الكلمة تنطبق على الكاتب الكبير الملقَّب بالأستاذ، الاسم العلم الذي علَّم فينا على مر سنين طويلة، بالمعلومات مرة، وبالاستشارات لمجلس قيادة الثورة وخصوصًا جمال عبد الناصر، الزعيم المُلهَم، وكان أحد أهم مصادر إلهامه، هيكل، هرم مصر الرابع لدى عَبَدة الشخوص، والرجل الذي عاصر كل العهود، وأفتى كل الفتاوى السياسية، وصار مع التقادم رمزًا للحكمة، بدأ مع الملك فاروق الأول والأخير، ولمع نجمه مع الضباط الأحرار، ضابطًا بعد ضابط، وصار مستشارًا للسادات، حتى اختلف معه، وحمل مرارة من مبارك لأنه همَّشه محليًّا، ولم يستفد من خبراته السياسية، واستأذن الاعتزال عن الكتابة مشكورًا في 2003، ليملأ سماوات الفضاء لغطًا وصخبًا!
وحاول أن يُخلص ثأره الشخصي مع آخر الضباط الذين حكمونا، ويبدو أنه لن يكون الأخير، بطرق لا تليق بإعلامي ولا نقول رمزًا، مرة يقلِّل من خسائرنا العسكرية، ويهدر دم شهدائنا في حروبنا من أجل فلسطين، من 48ـ 73، ومرة يتهم مستغلاًّ مقولة إن الموتى لا يتكلمون، السادات باغتيال عبد الناصر بفنجان قهوة مسمومة، ومرة يقلل من دور سلاح الطيران في نصر أكتوبر، فضلاً عن تهوينه من النصر نفسه!
في مقالة قديمة لي كتبتها بعنوان: تخاريف الكبار، العوَّا وبيشوي وهيكل، قلت: إن العواجيز في السن، عليهم اعتزال الحياة السياسية بل والعامة، لأنهم بدلاً من أن يكونوا مجلس حكماء البلد، هم المسؤولين بشكل مباشر عن كل أزماتنا، ومع تخليهم عن مسؤوليتهم التاريخية، وهم الذين أفسدوا حياتنا بفتاواهم، واستشاراتهم، بل وممارساتهم أيضًا، وتاريخهم النضالي غير المشرف على الإطلاق بنتائجه المخزية، ألم يكن هيكل مسؤولاً عن هزيمة 5 يونيو؟!
ألم يشارك في إحباط معنويات الشعب والجيش طوال مدة حرب الاستنزاف، وعندما صنع الجيش المصري العظيم، بكل أسلحته وقطاعاته، وبمساندة مواطنيه، فالجيش من أولاد مصر، وهو جيش شعب مصر، ألم يشارك هيكل في تتويج السادات بطلاً للحرب والسلام؟  بل ألم يحاول هيكل وباعترافه توجيه سياسات مبارك عبر رسائل كان ينتوي نشرها في الأهرام، وقتما تولَّى مبارك خلفًا للسادات وباختياره ومباركة هيكلية، حكم مصر؟!
ماذا يريد الأستاذ بعد كل هذا العمر، وكل هذه الكتابات، وكل مكاسبه عبر أربعة عهود في حكم مصر؟ لم يتحدث أحد عن بيزنس أولاد هيكل، ولا بيزنس هيكل شخصيًّا، ولم يضع أحد مقولاته غير الموضوعية محل الاختبار، وصارت أحكامه التي يصدرها علينا من برقاش، أو مكتبه في العمارة التي تحوي السفارة الإسرائيلية، على طريقة عادل إمام "السفارة في العمارة"، لا جدال فيها ولكن سمعًا وطاعة.
رسالة مُخلصة لوجه الله والوطن أكتبها للأستاذ هيكل من شاب يعشق تراب هذا الوطن، ولا يشكِّك في كونك أحد أهم مصادر الإعلام المصري، ولأجل أن تبقى صورتك رمزًا كما تدشن له كتبك، وتاريخك الملون بلون بهجة السلطة، وتقلباتها، أستاذنا الكبير في السن والمقام، والقامة.. لتقل خيرًا أو لتصمت.
فلو قرَّر جيلي الذي دفع فواتير جيلكم الباهظة من فساد إعلامي، وسيطرة على منافذ الرأي، وسلطة كوّنتها سنوات من جمع الرأسمال الرمزي، وتوجيه الناس في بلدي إلى حيث خراب من بعد خراب، لا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به من مرارة هزيمتكم، التي سميتها أنت ولا شخص سواك نكسة، وهي في الحقيقة هزيمة جيل، أغرقنا بمحو التاريخ السابق عليه، وتأميم مستقبلنا لصالح نواياه الحسنة، وفعاله المدمرة، أحمّلك يا سيدي مسؤولية فساد أجيال متعاقبة من الانتهازيين والأفاقين من الإعلاميين السائرين في ركب السلطة أينما حلَّت أو ارتحلت.. لماذا لا تكتفي بكل هذا العمر من الأكاذيب؟
أعذرني يا سيدي أو لا تعذرني فإننا حتى الآن ندفع ثمن هزيمتكم، ونغسل عار ماضيكم، ونحارب لكم معارككم بالوكالة، مرة كقوميين فشلوا في تحقيق حلم الوحدة المستحيل، ومرة كمصريين عاشوا لكل العصور، وزيّنوا لنا عصور سلطاتهم غير المحدودة، وشوَّهوا لنا عصور هزيمتهم غير المحدودة كذلك!
لا، لا أقول أن نلقي بتاريخكم إلى البحر، كما ألقتنا تحليلاتكم إلى جحيم العدمية، ولكن أقول لك ولجيلك الذي أفسد علينا بهجتنا بالمستقبل، ونحن نحاول حل ألغاز الماضي وألغامه التي صنعتموها جيلاً بعد جيل، فقط أقول لكم: جرَّبنا حلاوة الانتصار على عدميتكم، فلا تشاركونا فرحتنا، ولا تفسدوها بتدخُّلاتكم غير المجدية بالمرة، فنحن تعلَّمنا أن نأخذ الحكمة من أفواه الشعوب، لا الحكام، وأنتم بكل مرارة هزيمتكم التي لحقتنا، عليكم الاكتفاء بهذا القدر!
علَّكم إذا راجعتم أنفسكم، وكنتم أمناء ولو لمرة واحدة أمام مراياكم، وعرفتم أن الهزيمة اسمها هيكل، وأقرانه، تطلبون منا السماح قبل أن نضعكم في قفص الاتهام مع مبارك الذي لم تكن شرعيته لتأتي بغيركم، من لدن محمد نجيب، وحتى الآن!
وختامًا: عذرًا إن قسوت عليكم، فنحن نُطالب بإعدام رئيس صمت أو تواطأ على قتل ألف مصري، في مظاهرات سلمية، فكيف نحكم على من جرَّفوا عقول أمة على مدى ستين عامًا، وفي النهاية يسخرون من مبارك، لأنه لم يعرهم الاهتمام اللائق بتاريخهم في مساندة شرعية فاسدة؟!
أسألكم الرحيل إذا أردتم الاحتفاظ ببعض الاحترام البنوي من أبناء مصر الذين لا ذنب لهم في أنكم كنتم آباءهم!

من يُسيء إلى الإسلام؟!


PDF طباعة إرسال إلى صديق
أيمن عبد الرسول   
الأحد, 05 يونيو 2011
بينما كانت الشمس تأكل رؤوسنا ـ نحن الشبان الثلاثة ـ في صعيد مصر من بني سويف إلى النوبة في رحلة تدعو إلى المحبة والتسامح، تحضننا المساجد والكنائس والأديرة، ونصلي لأجل المحبة للجميع، كان هناك من يدعو للكراهية، ويُحرم ـ من التحريم ـ نقده هو وجماعته، ويقول إن نقده يعتبر من وجهة نظره الفاسدة حربًا على الإسلام، ويقول (أسكت الله له صوتًا)، إنه لولا حسن البنا لضاع الإسلام، ويصرِّح بما يفسد المودة بين المسلم وأخيه المسلم، ويسب المسلمات غير الإخوانيات، ويصفهم بالأدنى!


كنا مسلمين ومسيحيًّا واحدًا، تُفتح لنا قلوب بعض الناس قبل المساجد والكنائس، الكل مُجمع بما فيهم بعض السلفيين بالمناسبة، أن من يروِّع الآمنين، أو يهاجم دور عبادة الآخرين لا يمكن أن يكون مؤمنًا برب هذا البلد، ويستدلُّون على سماحة الإسلام بقول النبي الكريم، الأمي الذي علَّم العالم، المسلم من سلم المسلمون من "لسانه" ويده.. صحيح أغلبهم لا يكمل الحديث إلى آخره، ولكنه لا يقول المسلمين فقط، وإلا كان مسلمًا أيضًا من لم يسلم غير المسلمين من "لسانه" ويده!
ولكن النبي الصادق الأمين، قال: "والمؤمن من أمنه الناس".. الناس يا من أرسلك الله رحمة للعالمين، لكل الناس، ولمن آمن بدعوتك أن يؤمنه الناس، كل الناس، كانت بداية رحلتنا متزامنة مع جلسة صلح خاصة بكنيسة عين شمس، التي منع البعض من المتعصبين الناس، النصارى في قاموس المصحف الشريف، من افتتاحها للعبادة، وكان رجل وامرأة في قرية نائية ببني سويف، يعزموننا على الشاي في العصاري، ويسألوننا: هل يأمر دينٌ بالقتل؟!
ومشغولين، الرجل والمرأة من نصارى مصر بما ستسفر عنه نتائج المصالحة المزمع عقدها في ذات الليلة، لم نجد أسلحة في الكنائس التي فُتحت لنا، ولا الأديرة التي طوفنا فيها بصحبة قس، أو راهب، ولم نجد في المساجد الكثيرة التي طوفناها من يدعو لقتل الآخر، بل كانت خطبة جمعة الرحيل بالنسبة إلينا في مسجد صغير على ضفاف النوبة، عن الوفاء بالعهد، حضرها رفيقنا المسيحي، وكاد أن يبكي تأثرًا بخطبة الشيخ النوبي، الذي لا يعادي السلفيين، ويحضر موالد الدراويش، ويذهب للكنيسة مهنئًا بالعيد، وعندما انسحب في خلفيتنا ونحن نُصلِّي الجمعة، لم يندهش أحد، فهموا أنه مسيحي، وبعد الصلاة رحَّبوا بنا لأجل حضوره!
فمن يا تُرى يسيء إلى إسلامنا.. نحن أم مدَّعو الدفاع عنه؟ نحن المصريين الثلاثة، أم الإخوان المسلمين وهم بالملايين؟ من يشوِّه صورة الإسلام، أليس من يقوم بإقصاء غير بني جماعته المختلة، عن الإسلام؟ أليس من ينفث السُّم ليل نهار بدعوى الدعوة إلى الله، من يمارس الإسلام بطريقة هي الأقرب إلى الله، من يدعي أنه مُلهم من الله، ويصمت دهرًا ثم ينطق كفرًا؟!
كنا في قنا وضمَّتنا رحاب مسجد سيدي العارف بالله عبد الرحيم القناوي، بينما أرسل الله إلينا الشيخ عمر يوسف إمام المسجد لينقذنا من اتهامات في نوايانا من أستاذ جامعي، هاجمنا لأننا حاولنا التصوير معه، وهدَّدنا بالويل والثبور وعظائم الأمور، إلى أن جاء مولانا الشيخ عمر، وهدّأ من فزعنا، ومنحنا نفحة من المسجد، عبارة عن تسقية عيش شمسي في شوربة فول نابت، وأكلنا ثم حاورنا الشيخ الجليل، وفي نهاية الجلسة وبعد أن فهم الشيخ مقاصدنا ونوايانا الطيبة، كنا نستقل سيارة الأستاذ الجامعي الذي أصرَّ على توصيلنا إلى مطرانية الأرثوذكس في قنا، واعتذر لنا، واعتذرنا له من باب المحبة، ومع ذلك رفض عامل البوابة في المطرانية السماح لنا، بما فينا الصديق المسيحي، بدخول الكنيسة.. فخرجنا غاضبين، نتساءل لماذا تُفتح لنا أبواب الكنائس الكاثوليكية، وتُغلق دوننا أبواب الأرثوذكس، أو على أحسن تقدير ندخلها بصعوبة؟!
من يسيء إلى دينه وهو يحسب أنه يُحسن صُنعًا يجب الحجر عليه، لا وضعه في لجنة التعديلات الدستورية، من يسيء إلى الإسلام ليس من ينتقد سلوكيات بعض المسلمين، لأنهم غير معصومين، وإذا كانت عصمة الأنبياء وهم من هم؟ محل جدل بين المؤمنين، فما بالنا ببشر تغلبه شهوة الشهرة، فيجهر بقول الكفر معتبره قمة الإيمان؟
من يخدم الإسلام أكثر؟ من يقدم نموذجًا للمسلم المسالم الذي يدعو إلى المحبة بين كل البشر، وتحت راية الإسلام أم من يبحث عن أخته المتأسلمة الجديدة ويترك أخته المنتقبة تتسوَّل على النواصي، وباسم الإسلام؟
من يُعزه الله بالإسلام، لا بد وأن يكون داعية محبة وسلام، لا بُغض وحرب، لن أعرض للآيات الدالة على المحبة لا من مصحف ولا إنجيل، ولكن أقول لكم فقط افعلوا معشار ما تردِّدون من آيات، فعلاً لا قولاً، تنصروا الدين أي دين إلهيًّا أو غير إلهي، لأن جوهر الدين هو الضمير، والضمير ليس نوايا أو أقوالاً.. إنما أفعال، فلا تقولوا قولاً صالحًا، ثم تفعلون فعلاً فاسدًا.. الإنسان هو ما يفعل.. لا ما يقول!
وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا الآخر.. وأحبوا الله يحببكم الله، فالله ليس كذلك الذي يتحدَّث عنه المتعصبون من كل دين، الله أجمل من أن يحد كماله بشر، وأكمل أن يحيط بجماله وصف!
فعل المحبة في يقيني هو شرط الإيمان.. والإيمان لا يدافع عنه شيطان، ولا ذئب وإن ارتدى ثوب الحملان.. وبعدها ستجدون جواب السؤال.. من الذي يسيء إلى الإسلام.. جهل بنيه، أم غدر المتربِّصين به؟!

إحنا اللي كفَّرنا الأقباط!


PDF طباعة إرسال إلى صديق
أيمن عبد الرسول   
السبت, 21 مايو 2011 
قال لي صديقي وهو يحاورني: يا أخي مش قادر افهم إزاي القبط يخرجوا على أوامر قداسة البابا شنودة، ويرغموه لأول مرة إنه ينزل على رغبتهم، وبعد ما يطلب منهم فض الاعتصام، يرجع يقول "عمري ما ضغطت على أولادي" شوفت فُجر القبط وصل لفين، يخرجوا عن طوع الكنيسة والبابا؟!
بصراحة كنت عايز أرد عليه ردًّا يعاقب عليه القانون، من باب إن اللي يرد على أي حد اليومين دول ممكن يعاقبه القانون، بأي تهم "عيب في الذات الثورية" ماشي، "ازدراء المؤسسة العسكرية" شغال، انتماء "للفلول والطعمية" أعمل لك ساندويتش، وهكذا.. دواليك، ودوا ليَّا!!

المهم، راودتني فكرة لمجاراة صديقي العزيز، وهي أن الأقباط محتاجين حد ـ عدم اللا مؤاخذة ـ يرد ليهم دينهم، ليسوا جميعًا قطعًا ولكن من خرج منهم عن دينه، ولم ينصَع لتعاليم المسيح، ووصاياه الضالعة في محبة الأعداء، ومباركة اللاعنين، وإدارة الخد الأيسر عندما يلطعك أحدهم على خدك الأيمن، وغيرها من الوصايا والتعاليم التي تمجد الذي يموت مغلوبًا، ولا تبشر من مات غالبًا، وغالبًا تقريبًا، كل الذين خرجوا في هوجة 25 يناير رغم أوامر الكنيسة بعدم الخروج، خرجوا على دين المسيح، والكنيسة، وربما حجزوا مقاعد بلكون في الجحيم!!

وبناء على اتفاقنا أن الأقباط والعياذُ بالله قد كفروا بخالق الناس مرتين، الأولى عندما لم يدخلوا في دين الله الجديد الذي دخل مصر على يد عمرو بن العاص، أفواجًا حتى أرهقتهم الجزية، وسماحة الحكام المسلمين، فدخل بعضهم الإسلام طوعًا وظل أغلبهم على ضلاله القديم حتى دخل الإسلام مرة أخرى، مصر الجديدة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، على يد الشيخ إسرائيل قائد غزوة الصناديق التي انتصر فيها المسلمون، على الدستور المدني العلماني أو كما قال فضيلته: الناس عايزة إيه؟ دين.. إديهم دين!!

خلينا مع الكفار لحد باب الدار، والمرة الثانية التي كفَّر فيها المسلمون الأقباط، بعد أن خرجوا عن مواطنة الكنيسة الأرثوذكسية، إلى براح المواطنة المصرية، وطالبوا بحقوقهم كمواطنين لا كأقباط، رغم أنهم في هذا التوقيت تحديدًا يواجهون آخر يقاتلهم على هويتهم الدينية، فحرق القتلة كنائسهم، وقتلوا شبابهم، واختطفوا نساءهم، ومارسوا ضدهم كل أنواع الإهانة، فهل يحمل القبطي صليبه ويسعى للاستشهاد في سبيل عقيدته، أم يحمل سلاحه في مواجهة من يحاول أن يسلبه الحق في الحياة؟!

ماذا تفعل لو كنت مسيحيًا في مناخ يرغمك على تكتم أمر دينك، والخوف من الإفصاح عن هويتك، من الذي أخرج الأقباط من قمقم المحبة إلى عدالة المعاملة بالمثل؟ أليست ميوعة الخطاب الإسلامي في حسم موقفه من الآخر، أليس الترويج لثقافة التكفير بين المسلم وأخيه المسلم "سنة وشيعة، قاديانية ومتصوفة"؟ أن الخطاب الديني بشقيه الإسلامي والمسيحي مسؤول عن حالة التردي التي نعيشها في الشارع، لأنه عندما كان صوت التسامح ينخفض، كان صوت الرصاص يعلو، وعندما كان صوت التكفير يرتفع، كان خطاب قبول الآخر يُلقى به في البالوعات، وعندما كانت قنوات التطرف تُبث على النايل سات، كان أغلب العلمانيين، ممنوعين من قول كلمة حق في وجه التطرف والإرهاب!!

إحنا اللي كفَّرنا المسيحيين ونحن نكفِّر كل من يفكِّر، كفَّرناهم عندما لم تحمِ الدولة أموالهم ولا أنفسهم من اعتداءات المجرمين الذين يرفعون راية الإسلام، ولم نكفِّر السلفيين مثلاً ولم نملك أن نقول بملء الفم أن ما يفعلونه مخالف للإسلام العظيم، وأن فعالهم تنتمي لمدرسة الخوارج، مثلاً الذين لا يتجاوز القرآن حناجرهم، ولا يفقهونه ولا يعملون به، لم يجرؤ عالم مسلم واحد أن يؤثم بشكل واضح وصريح ومُخرج من ملة الإسلام ما يفعله السلفيون من تكفير لبقية المسلمين، وهدم لقبور أولياء الله الصالحين، وحرق للكنائس، وغيرها من مهازل تسيء للإسلام، وتعرض بضاعة عفنة في سوق الأديان!

من الواضح أن إحنا فعلاً اللي كفَّرنا الأقباط، بتكفيرنا لهم، ولكنهم أيضًا بشر لهم حقوق وعليهم واجبات، ومواطنون لا ذميون، لأن كل شروط الذمية سقطت عنهم بالاندماج التاريخي بين الضحية والجلاد!

الأقباط لم يكفروا بعقيدتهم يا صديقي، ولم يخرجوا على أوامر قداسة البابا ولا الكنيسة، الحكاية وما فيها أنهم أصبحوا مواطنين في جمهورية الغضب، ولن يصمتوا لأمثالك من دعاة عودة الأقباط إلى دينهم عبر الاستكانة، والمثالية، وعدم الوقوف في وجه الأعداء، لقد أدرك الأقباط أن حقهم في المواطنة لن تأتي به إليهم الكنيسة، وإنما سيأخذونه بدفاعهم عن وجودهم، والبابا أدرك لأول مرة أن عليه عدم التدخل في السياسة، فأعطى كما قال المسيح ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، رغم أن قيصر لم يكفر يومًا بما لله!

وختامًا:

خذي رأيي وحسبك ذاك مني

على ما فيه من عِوَجٍ وأمتٍ

وماذا يبتغي الجُلساء عندي

أرادوا منطقي وأردت صمتي

ويوجد بيننا أمد قصيٌّ

فأمّوا سمتهم وأممت سمتي

السمت يعني الطريق

الثلاثاء، 17 مايو 2011

ولاد الإيه.. والأمر وما فيه!


أيمن عبد الرسول
ما يجري في مصر الآن من احتقانات طائفية وانفلات أمني وبلطجة، متزامنة مع محاكمة رموز فساد العهد البائد، وإطلاق السلفيين من قمم العمل الدعوي إلى براح الملعب السياسي، يجعلني أقف متأملاً المشهد الحالي متحدثًا إلى نفسي ومن حولي بدهشة لا تليق بباحث أو كاتب صحفي قضى أغلب عمره بين الناس، وكوَّن انطباعات مستفزة عن طبائع المصريين والاستبداد معًا.
وأعلن أن كل ما تخيَّلته من سيناريوهات ما بعد مبارك يحدث وبسرعة تليق بإيقاع لم أتصوَّره في الحقيقة، من أول الأحداث الطائفية، إلى مظاهرات السفارة الإسرائيلية، والزحف إلى غزة، ومظاهرات بعض الأقباط أمام السفارة الأميركية ومطالبتهم لحماية دولية، بل وحتى ترك نبيل العربي لوزارة الخارجية إلى الجامعة العربية، لدرجة أنني أحاول عدم الكتابة خوفًا مما قد تثيره من أزمات، وينصحني أصدقاء مقربون بأن "أخف شوية" لأني صادم "حبتين" من وجهة نظرهم، ولكنني لم أزل أحاول التحلي بضبط النفس أمام عدد من القضايا الساخنة.
عندما يندهش المصري من فعال بعض مواطنيه، يتعجب قائلاً: "يا ولاد الإيه؟!".. وربما يضيف "عملتوها ازاي دي".. دون توضيح لما هي "الإيه" التي هي أم الـ"ولاد"، وربما يتلقى ولاد الإيه الأمر بسعادة غامرة فيردون عليك بقولهم: "بس إيه رأيك؟!" رغم أنك قلته بالفعل، ودون لبس أو غموض، إلا أنها الرغبة المصرية العميقة في "اللت والعجن"!
أزعم أن مشكلتنا كمصريين أن كلنا نحاول الحصول على لقب "ابن الإيه" من خلال الجدل غير المنتج، تحت دعوى حرية الرأي والتعبير، ووجهة النظر التي غالبًا تستند إلى الشائعة بدل المعلومة، والفهلوة بدل الفهم، أو المفهومية بدل التحليل، والتحايل بدل التخيل، وهكذا، مشكلتنا أننا من كل حواراتنا لا نريد حلاًّ، بل نريد جدلاً لا ينتهي كل منا فيه يحاول تسفيه الآخر وتعظيم رأيه حتى لو كان جاهلاً بأبسط معلومات موضوع الحوار!
"ولاد الإيه" السلفيون على اختلاف مشاربهم أدهشونا بعرض استربتيز ديني رائع وهم يلخِّصون قضايا الوطن في الصراع على الـ"نسوان" الأسيرات، وزرع ألغام الطائفية أمام الكنائس، وتصحيح العقيدة السلفية بهدم الأضرحة، وتكفير المتصوِّفة والشيعة والبهائيين والعلمانيين والليبراليين واليساريين.. ما نقول كل ما عداهم ـ من الاستثناء لا العداء ـ فهم صناع العداء، وهم يقولون ما لا يفعلون..
و"ولاد الإيه" اللي ـ عدم اللا مؤاخذة ـ عملوا الهوجة التي سميناها كعادتنا في الدلع المصري لأسماء الهزيمة ودلعها نكسة، وحركة الضباط الأحرار، وتدليلها مجلس قيادة الثورة.. فسمينا الهوجة ثورة عظيمة، بل وبلغ العته ببعض ولاد الإيه أن يصفوها بأعظم ثورة عرفتها البشرية، المهم أن ولاد الإيه الأولانيين زي ما يكونوا عملوها وهربوا، لا حس ولا خبر، مات الكلام، واللي عايز يلعب يلعب، وكأنهم كانوا مُستأجرين في "مقاولة" محددة هي إسقاط نظام مبارك، هَدَد وبس مش هَدَد وبُنا عدم اللا مؤاخذة!!
وولاد الإيه التالتين اللي مقدرش أسميهم، الذين عملوا فيها حماة الثورة، كل شوية يعايرونا بموقفهم، ويستنكرون نقدنا لهم، وكأنهم يمنون علينا، ويتركون حبل الفوضى على غارب الخراب، حتى نتوسل لهم بالدم والدموع أن يحكمونا، ولا يقومون بدورهم سواء في حماية الثورة، أو بالضرب بيد من حديد على مخالفي القانون، والمجرمين، ونحن مشغولون بقضايا تافهة وفرعية، مثل عبير وكاميليا، وكل شوية واحد من مجاذيب الست التي تأسلمت بعد مسيحيتها، يتظاهر أمام كنيسة ويصرخ وا إسلاماه.. وتبعها: الكنيسة دي فيها فيل.. كان مسيحي وأسلم وجنينة الحيوانات سلمته للكنيسة!
أما الإخوان المحظوظون، "ولاد الإيه" الكبار بقى، اللي كل الطرق تؤدي إلى مصلحتهم، والحوادث الطائفية المنسوبة للأقباط والسلفيين تصب في مصلحة مظهر اعتدالهم واعتدال منظرهم، وتباطؤ الحكومة يصب في صالح قضائهم لحوائج الناس وفي النهاية يؤكد كبيرهم الذي علمهم "السحر" يطمئننا كمصريين بأن الجماعة لن ترفع سيفها في وجه أبناء مصر "لا والله" متشكرين يا معلم، واحنا آسفين يا "سلاح".. وليه أصلاً تشيل سيف يا مولانا ثم تطمئننا أنك لن توجهه إلى صدورنا، ومن يضمن لنا صدقك؟!
وتعالوا مع بعضينا، نفهم الأمر وما فيه، الكنيسة الأرثوذكسية تتغابى، فتتحدث عن كاميليا بكل بجاحة، والسلفيون يستغبون فيطلبون أختهم، التي غابت عن الأنظار 6 أشهر، ثم تظهر فجأة في حوار مستفز، وتقول إنها لم تفكر في الإسلام، وأن أحدًا ليس من حقه السؤال عن مكانها، وتنفي احتجاز الكنيسة لها، وفي الوقت نفسه تظهر كاميليا جديدة في إمبابة اسمها عبير، وتشتعل الأحداث، "يا ولاد الإيه" عملتوها ازاي دي؟!
الأمر وما فيه أننا نفتقد الشفافية، ولا نحب من يعمل كأنه مرآتنا ويكشف فضائحنا، ونموت في اللي يأكلنا "الأونطة" نعشقه.. اتفضل يا شعب مصر العظيم كل "أونطة" من كل "ولاد الإيه" أما أنا فالطبيب منعني من أكل الأونطة بعد ثلاثين عامًا من عُسر هضمها!!

الجمعة، 6 مايو 2011

الإرهاب.. هو الحل!


أيمن عبد الرسول
مَن في هذا العالم من حقه أن يفرض عليك رؤيته، وإن لم تستجِب لاحتكاره الحقيقة يهدّدك بالقتل؟! هل رأيت مثل هذا اليقين إلا في عيون الإرهابيين، ومقالاتهم، ومقابلاتهم التلفزيونية، الإرهابي يا سادة هو كل من يلوّح لك بالكلمة أو الفعل أو العنف بأنك على خطأ، وهذا الخطأ من وجهة نظره التي ليست بالضرورة صائبة، على العكس غالبًا ما تكون مختلة ومعتلة وعلاقتها بالعقل كعلاقة الحمار بدراسة الفلسفة!
إن الحملة التي نتعرض لها في مصر الآن بصفتنا علمانيين أو ليبراليين من فلول الإخوان والسلفيين، بل والعروبيين أيضًا على صفحات الصحف وفي فضائيات اتسعت برامجها لإثارة الفتن، هي شكل من أشكال الإرهاب، لا بد أن نواجهه ولا مواجهة للإرهاب إلا بالإرهاب، فبعد مقتل شيخ مشايخ الطرق الدموية أسامة بن لادن الموهوم بالحروب المقدسة، والذي لم يستخدم سلاحه ولا رجاله ضد مصالح تل أبيب، وكان يريد تحرير القدس عن طريق برجي التجارة العالميين، هذا الرجل الذي قدم للغرب كله خدمة العمر، بتشويهه للإسلام والمسلمين، ومات في الوقت الذي تتحرر فيه الشعوب العربية من بعض حكامها المستبدين، ووسط مد إسلامي مظهري غاية في الخطورة، سيلعب دور ملايين بن لادن، وتنظيم القاعدة في كل أنحاء العالم الإسلامي، وما يدور في كل أنحاء العالم كوم، وما تجري وقائعه على أرض مصر كوم آخر.
في أغسطس من العام الماضي أطلق مجهولون أربع رصاصات على الصديق الإعلامي نبيل شرف الدين وهو في طريقه إلى القاهرة من إحدى المدن الصحراوية، واستقرت رصاصتان في رأس المقعد المجاور له، وذهب لتحرير محضر بمباحث أمن الدولة التي نصحته وقتها بالتكتُّم على الموضوع لأسباب تتعلَّق بالقبض على الجناة، وتكتَّمنا الموضوع ولم نعلنه، وبعد مواجهة شرف الدين الأخيرة مع أبي يحيى، على قناة دريم مع وائل الإبراشي، بدأت المناوشات والتهديدات من قبل الإخوة "المتسلفِنين" ووصلت إلى رسائل على المحمول، وقلنا مقدور عليها، ومن يريد أن يقتل لا يهدد، أما أن تصل التهديدات إلى بيت أسرته بالصعيد، وتصل إلى أن تبلغها جماعة من "المتسلفِنين" إلى عائلته هناك، فهذه بجاحة ليست بعدها بجاحة، وما هو الاتهام الموجه إلى نبيل شرف الدين؟ تصور عزيزي القارئ، أنه "مزوِّدها حبتين في الدفاع عن الأقباط" تخيل! وأنه يجهر بالعلمانية، ويهاجم التيار "المتسلفِن".. وهل ثمة عاقل لا ينتقد التيارات المتسلفِنة؟!
نبيل شرف الدين يتعرض للإرهاب الفكري، منذ أول مواجهة مع أولئك المتسلفِنين، في حلقة سُجِّلت ولم تُذَع (بسبب ثورة يناير) مع أحد أقطابهم، ومعها بدأت حملة تشهير واسعة النطاق، قادها منهم الذين تعلَّموا في أمن الدولة آليات تكفير المخالفين لهم في الرأي، والقضية أنني اليوم أدافع عن حق نبيل شرف الدين في الحرية دفاعًا عن حريتي الشخصية، وحرية كل علماني وليبرالي مصري مسلمًا كان أو مسيحيًّا، ضد الإرهاب، كل أشكال الإرهاب التي تبدأ بالتحريض ضد الفكرة أو الشخص، وتنتهي بالدم.. وأكاد أجزم في التعامل مع هذه الأشكال من الإرهاب، بأن "الإرهاب هو الحل!".
لا يمكن الحديث بالعقل مع قاتل ومجرم، ولا يمكن إقناع إرهابي يعتقد أنه يملك توكيلاً إلهيًّا لهداية البشر إلى الجنة ـ عدم اللا مؤاخذةـ ولو بالـ"جزمة"!! والدال على القتل كفاعله تمامًا، وإذا كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة عاقب شخصًا بالسجن 3 سنوات للتحريض ضد المؤسسة العسكرية فأولى برعاة الدولة المدنية، أن يقوموا بسجن ومعاقبة كل من يُحرض على بث الكراهية بين المواطنين بدعوى أنهم كفار، والذين يستغلون فتاوى الدين العظيم ونصوصه الراقية في الصراعات السياسية، لا بد أن تجرم القوانين الحاسمة كل تحريض يستغل الدين في ساحة العمل السياسي!
أما لماذا نقول إن الإرهاب هو الحل، فلأن بن لادن لا سامحه الله، كان إرهابيًّا يتحدى دولة، ويتحدث باسم الإسلام واستخدمت ضده الدولة نفس السلاح، فأعلنت الحرب على الإرهاب، فكان إرهابها للدول التي حاربت الإرهاب فيها، إرهابًا شرعيًّا من جهة المواثيق الدولية، وإرهاب بن لادن وتنظيمه وكل متعاطف معه عبر العالم، والمتواطئين معه بالصمت المُبارِك لدموية عملياته، إرهاب شرعي من وجهة نظر إسلامية مستندة إلى نصوص منتزعة من سياقها، أو تم تأويلها في سبيل إهدار دم كل من يختلف مع رؤية السلفية الجهادية للإسلام، ومفاهيم الجهاد بين جهاد الدفع وجهاد الطلب!
كيف أتعامل مع تهديد بالقتل؟
وهل أصبح مجرمًا إذا أهملت قلمي وحملت سلاحي في مواجهة خفافيش الظلام دفاعًا عن الحق في حياة بلا إرهاب؟
متى يصبح القتل دفاعًا عن النفس فريضة على مثقف قال ربي الله ثم اجتهد، بينما يجتهد الإرهابي في تطوير أدوات هجومه عليك وعلى تدينك، وعلمك وثقافتك ومعرفتك.. أنا حر في نقد فساد بعض المسلمين وتطرفهم، ولست حرًّا في اتهامهم بالإرهاب دون دليل، وكذلك المختلف معي إذا لم يتجاوز حدود النقاش العلمي والاختلاف البنَّاء الهادئ ولم يلوح لي بسيف تكفيره، من الممكن أن أحترم تفكيره، لكن إذا ما حرض ضدي، وأرهبني حتى لا أكشف سوء منطقه، ولا عقلانية طرحه، وإذا استغل المنبر للدعاء على المختلفين معه، كما يفعل أغلب دعاة التيار المتسلفِن، فلا بد من محاسبته لأن الإرهاب يبدأ فكرًا، ولا يفلّ الحديد إلا الحديد، والحديث عن حرية الرأي للمحرضين على القتل من فوق منابرنا، شكل من أشكال السفه الليبرالي، فكيف تؤمِّن حرية التعبير لعشاق صورة الدم، الذين يعلِّمون أطفالهم الوقوف لرؤية مشهد الذبح في عيد الضحية، حتى يعتادوا رؤية الدماء، ولا يهابون القتل.. لا تهاون مع من يتمنَّى سحقك من الوجود وهو يبتسم ابتسامة الشهيد، الذي يدفع من دمك أنت فاتورة دخوله الجنة على جثَّتِك!!
وختامًا:
"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ". (هود: 88).

السبت، 30 أبريل 2011

عفوًا نائب "المُضل" العام!


أيمن عبد الرسول
حفظت كتاب الله في الصغر، ودرست تفاسيره في الكبر، وتخصصت في الفلسفة الإسلامية من أجل الدفاع عن العقائد الإسلامية بأدلة عقلية ولم أقرأ آية واحدة تقول إن نقد جماعة الإخوان المسلمين تُخرج فاعلها عن الملَّة، ولم أقرأ في كل كتب الفرق والملل والنحل الإسلامية وصفًا لرئيس عصابة اسمه المرشد العام للجماعة، ولم أعرف أبدًا أبدًا أن جماعة تملك من الجرأة على دين الله ما تملكه جماعة الإخوان المسلمين، حتى وهي قاب قوسين أو أدنى من العرش بفضل ثورة 25 يناير المباركة، وهي تسقط أقنعتها كل يوم، يتحدثون عن التسامح ويكفِّرون منتقديهم، يتحدثون عن المواطنة ويلعنون الأقباط والليبراليين والعلمانيين، نهجهم طوال 83 عامًا وهم يقولون ما لا يفعلون، وبعد ثورة يناير شهد خطاب جماعة الإخوان تطورا خطيرًا ضد معارضيها عبر تصريحات ومقالات قيادات الجماعة على الموقع الرسمي لها بلغ حد تكفير الآخر فشنَّ د. رشاد البيومي نائب مرشد الجماعة حربًا على كتَّاب الرأي المخالفين لفكر الجماعة قائلاً: هؤلاء الكتَّاب والصحف الصفراء يعادون الإسلام ويروِّجون الافتراءات الباطلة كاشفين عن حقد دفين في قلوبهم وأفئدتهم التي أعلنت عن عدائها السافر للإسلام والمسلمين.
قبلها قال أحدهم إننا ننتظر امتلاك الأرض حتى نطبق الحدود، قبلها قال أحدهم: ليه الناس بتخاف لما نقول حكم إسلامي، وهددنا "اللي عنده حساسية من القرآن يقولها بصراحة" ولم يقل لنا ماذا سيفعل مع من لديه حساسية من القرآن، يمكننا القول بأننا أمام أحط تيار سياسي ابتُليَت به مصر، وهو المصدر الرئيسي لكل الحركات الإرهابية على مستوى العالم، فكل إرهابي مسلم تربطه صلة وثيقة بمن قال عنهم حسن البنا، ولا نعرف من سماه إمامًا، ولا من قتله إذا كان قائد جناحه العسكري "النظام الخاص" عبد الرحمن السندي أم غيره، وخصوصًا أن السندي الإرهابي الاحترافي فجَّر زميله وأخاه في الجماعة سيد فايز عندما فصله البنا من قيادة التنظيم السري.
ونعود إلى التاريخ لنتهمهم بما هو فيهم، ففي الثاني والعشرين من مارس 1948.. قام التنظيم السري باغتيال قاضٍ مدني وهو القاضي أحمد بك الخازندار وهو يعبر الطريق على يد عضوي الجماعة حسين عبد الحافظ ومحمود زينهم اللذين عوقبا بالأشغال الشاقة المؤبدة لكليهما.. وقد تم اغتيال القاضي بعدما حكم في قضية كان أحد أطرافها عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين.
برئاسة الدكتور عبد العزيز كامل عقدت الجماعة جلسة محاكمة لعبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري - الذي يتلقى أوامره من المرشد العام حسن البنا مباشرة – وحينما سألوا السندي هل تلقيت أمرًا بقتل القاضي أحمد الخازندار فقال أنا سمعت فضيلة المرشد يقول: "لو كان ربنا يريحنا منه.. وأهو ربنا ريحنا منه عن طريق الجهاز"، أنا ظننت أن فعلاً كهذا سيسعد فضيلته، فاتجهوا لفضيلة المرشد فأجهش فضيلة المرشد حسن البنا بالبكاء لأن الرجل كان قد فهمه خطأ، وذكر محمد فريد عبد الخالق الذراع اليمنى لحسن البنا أنه لم يرَ المرشد مهمومًا طيلة حياته مثل هذه اللحظات، فقالوا لعبد الرحمن السندي لا تنفذ أي عمليات في المستقبل إلا بأمر من المرشد العام شخصيًّا أو أمر بموافقة الخمسة الأعضاء وحكمت الجماعة بدفع الدية لأسرة المقتول وأقروا في نفس الجلسة أن الحكومة عليها دفع هذه الدية لأنها من أموال الشعب وأغلق الموضوع.. وخرج حسن البنا مرشد عام الإخوان المسلمين والمرشح الأول لمنصب خليفة المسلمين في حال قيام دولة الخلافة في لقاء الثلاثاء وهو لقائه بالجماعة من كل أسبوع ليخطب فيهم خطبة تقوي إيمانهم، وأنكر قيام الجماعة باغتيال القاضي أحمد الخازندار … إلى أن أُثبِتت التهمة وتم الحكم على الفاعلين بعد خمسة أشهر.
في الخامس عشر من نوفمبر 1948 أمسكت الشرطة سيارة جيب بها مستندات تخص جماعة الإخوان المسلمين.. عبارة عن مخطَّطات تفجير سفارتي أمريكا وبريطانيا وأماكن أخرى.. ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الآونة الأخيرة، فضلاً عن بعض القنابل والمتفجرات.. والأهم من ذلك القبض على ثلاثة من رجال الإخوان كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسة المؤسسين والمسؤولين عن التنظيم السري بالإضافة إلى أحمد عادل كمال وآخر.
 في الرابع من ديسمبر 1948 جرت مظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد (القاهرة) فقاد اللواء سليم زكي - حكيمدار شرطة القاهرة - قوات الأمن لفض المظاهرة.. وإذا بطالب ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يلقي عليه بقنبلة من الطابق الرابع فسقطت أمامه فمات على الفور.. وكما يقول محمود الصباغ في تبريره لتلك الواقعة: "كان إلقاء القنابل في المظاهرات من جانب المتظاهرين في هذه الأيام أمرًا عاديًا".. اشتعل الموقف بعد هذا الحادث بين الحكومة السعدية والإخوان مما دعا حسن البنا أن يطلب من رئيس مجلس النواب حامد جودة في نفس اليوم التوسط لدى محمود النقراشي باشا رئيس الوزراء لبدء صفحة جديدة بين الجماعة والوزارة.. لكن جودة رفض مطلبه... حاول البنا الاتصال بالملك فاروق أو بإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي في محاولة لاحتواء الأزمة.. ولكن دون فائدة.
 في السادس من ديسمبر 1948 أي بعد يومين من الحادث صدر الأمر بإغلاق صحيفة الإخوان … وفي نفس اليوم خرجت جريدة الأساس.. جريدة الحزب الحاكم بعنوان.. "أخبار سارة ستذاع قريبًا".. فساد التوتر تصرفات الجماعة وحاول حسن البنا فعل أي شيء لإنقاذ الموقف بعدما شعر بخطورته.. ولكن دون فائدة.
 في الثامن من ديسمبر 1948 أي بعد يومين آخرين وبالتحديد في الساعة العاشرة مساءً اتصل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية بالمرشد حسن البنا ليبشره بأن أخبارًا سارة ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف.. فشكره حسن البنا.
 تجمع قادة الجماعة ومعظم المنتمين لها بالمقر العام بالدرب الأحمر - بقلب القاهره – وإلتفوا جميعًا حول الراديو … في إنتظار الأخبار التي سيذيعها الراديو.
في الساعة الحادية عشرة من مساء يوم الثامن من ديسمبر 1948 أذاع راديو القاهره أمر الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها.
 بعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا أن المكان قد تم حصاره من جميع الجهات وأنهم وقعوا في الفخ وتم القبض عليهم جميعًا …. ما عدا حسن البنا.. المرشد العام ومؤسس الجماعة.
 شعر حسن البنا بأن مؤامرة أخرى تحاك ضده ويحتاجونه وحيدًا ولذلك لم يقبضوا عليه.. فحاول التشبث بسيارة الشرطة وتوسل إليهم ليقبضوا عليه مع باقي أفراد الجماعة… لكنهم أبعدوه.
وكما قال محمد فريد عبد الخالق.. إن حسن البنا طلب من الحكومة طلبًا رسميًّا بأن يعتقلوه بصفته رئيس الجماعة وهو المسؤول الأول عن الجماعة بعدما شعر بالخطر.. ولكن طلبه قوبل بالرفض.
قرر الإخوان المسلمين الانتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء ردًّا على قرار حل الجماعة والذي رأوا فيه اعتداء على الدين واعتداء على شرع الله - حسبما ذكر ممثل الادعاء عبد الله رشوان.. كما أنهم رأوا أن قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن- كما ذكر محمود الصباغ أحد قادة التنظيم السري، وأنهم رأوا أن شخصًا مثل النقراشي باشا بكل هذا الطيش والعناد وعدم ملاحظة الاعتبارات لا بد أن يزاح عن الطريق بأي ثمن.. كما قال جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا.
كان محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي ورئيس الوزراء والحاكم العسكري العام فضلاً عن كونه وزير الداخلية ووزير المالية في وزارته.. قد شعر بالخطر فبدأ يشدد الحراسات حوله تحسبًا لفعل إخواني كردة فعل على قرار حل الجماعة.
 ولم يشأ العام أن ينتهي بكل هذه الكوارث فقط.. ففي العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ديسمبر 1948 وفي بهو وزارة الداخلية تنكر شاب من شباب الإخوان المسلمين في زي ضابط وقام بإطلاق الرصاص على النقراشي باشا بين أفراد حراسته فأرداه قتيلاً.
 زاد الاحتقان بين الجماعة وكل الناس تقريبًا.. فالجميع يلتزم الصمت في ترقب وانتظار لحادث إرهابي جديد من الإخوان.. تم حصار المرشد العام حسن البنا في بيته.. ثم تم القبض على عبد الرحمن السندي مسؤول النظام الخاص.. وتولى سيد فايز مسؤولية النظام الخاص.
في صباح يوم الثالث عشر من يناير 1949 قام شفيق أنس أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين بحمل حقيبة وذهب بها إلى محكمة الاستئناف بباب الخلق بوسط القاهرة.. وادعى بأنه مندوب من إحدى مناطق الأرياف جاء بقضايا للعرض على النائب العام.. وترك الحقيبة في المكتب بداخل المحكمة وذهب بحجة تناول الإفطار.. وبعدما غادر المكتب بدأت شكوك الموظفين بالمكتب حول الحقيبة.. فتم استدعاء الأمن.. أخذوا الحقيبة خارج المحكمة وانفجرت بالشارع العام.. وبعد القبض على شفيق أنس اعترف بأن الغرض من التفجير كان نسف المحكمة وذلك للتخلص من أوراق ومستندات قضية السيارة الجيب … وكان ذلك بأمر من سيد فايز مسؤول التنظيم.
 قام عبد العزيز باشا علي ومصطفى بك مرعي بزيارة المرشد العام حسن البنا في بيته – حسبما أورد رفعت السعيد - ولا يعلم ما دار بينهم إلا الله.. فخرج حسن البنا في اليوم التالي ببيان تم توزيعه في الصحف يقول فيه حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين … ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين … واصفًا رجال التنظيم السري أو الجهاز الخاص الذي أنشأه البنا بنفسه قبل أكثر من عشر سنوات هي عمر أعمال الإرهاب والعنف بمصر على يد هذا التنظيم.
 وكان من الطبيعي أن تفكر كل الأطراف في التخلص من حسن البنا.. وقد كان.
 السؤال: ما هدف جماعة الإخوان المسلمين الذي قامت من أجله؟ الإصلاح أم إرهاب الآخر وفرض الرأي عليه بالقوة؟ حوار العقل أم حوار المدافع؟ ثقافة الدين أم ثقافة الدم؟ إن كان الغرض هو الإصلاح.. فلماذا تم إنشاء التنظيم السري أصلاً.. لماذا تم إنشاء وحدة عسكرية داخل تنظيم ديني دعوي إصلاحي؟ النظام الخاص لم يكن يستطيع تنفيذ أي عمليه دون علم وأمر من المرشد العام.. فقد أورد خالد محيي الدين بأن عبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري قال له: "أنت تتلقى الأوامر مني وأنا آخذها من المرشد رأسًا"، وكان ذلك في جلسة حلف اليمين التي رافقه فيها جمال عبد الناصر. إذًا المرشد يعلم بكل شيء، بل هو صاحب الأوامر.. إن كانوا دعاة للخير فلماذا يقتلون كل من اختلف معهم أو حاول حتى أن يختلف معهم؟ إن كان المرشد هو من يعطي الأوامر بالقتل في سبيل الوصول للسلطة.. فلماذا قال عن رجاله الأشداء.. ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين؟!
ما أشبه اليوم بالبارحة.. يبدؤون بتكفيرنا ثم يتهمون الآخرين باغتيالنا في القريب العاجل!!
وختامًا:
إذا ما ضاق صدرك من بلاد .. ترحَّل طالبًا بلدًا سواه
عجبت لمن يقيم بأرض ذلٍّ .. وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل .. بليد ليس يدري ما طحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمًا .. وخلِّ الدار ينعى من بناها
فإنك واجد أرضا بأرض .. ونفسك لا تجد نفسا سواها
مشيناها خطى كتبت علينا .. ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيّته بأرض .. فليس يموت في أرض سواها