الأربعاء، 26 يناير 2011

الذين خذلوا الشعب المصري في يوم الغضب



إسماعيل حسني
حين نرى الشعب المصري يطل على العالم في أبهى حلة، ونرى أبناءه من جميع الطوائف والاتجاهات والطبقات يخرجون على قلب رجل واحد للمطالبة بحقهم في حياة حرَّة وعادلة وكريمة، ثم نرى شرذمة تخرج عن الإجماع الوطني، وتقوم ببلبلة الأفكار، وشق الصفوف، وتثبيط الهمم، وبث روح العجز والإحباط والقنوط بين الناس، فعلينا أن نتوقَّف عند هذه العلة لكشف أبعادها، والتحذير من طابور خامس يعيث بيننا.
فباستثناء أذناب النظام المتهاوي من مخبرين ومنتفعين ورجال المؤسَّسات الدينية الإسلامية والمسيحية ودعاتها، لم يخرج أحد عن الإجماع الوطني سوى هذه الشرذمة من الفاشيين الذين ينحازون دائمًا للأنظمة الاستبدادية الفاسدة في مواجهة شعوبها، ثم يحلو لهم أن يختبئوا وراء اسم براق، فيطلقون على أنفسهم الليبراليون الجدد.
فإذا كانت الليبرالية هي أحد منتجات الحداثة، وإذا كان جوهر الحداثة السياسية ليس سوى تحرُّر الشعب من كل أنواع الوصاية، سواء أكانت دينية أم سياسية أم ثقافية، وتحقيق سيادته على أرضه، أي تحويل السيادة الشعبية إلى مصدر للسلطة السياسية، ومرجع دائم ومستمر لها، فبأي حق يصف هؤلاء أنفسهم بالليبرالية، وهم يدافعون عن نظام ظالم فاسد مستبد في وجه شعب مقهور ومسلوب خرج يطالب بحقوقه الطبيعية؟ لمجرد أن هذا النظام بخنوعه وانبطاحه يحقِّق لهم أحلامهم في التماهي مع المشروع الأميركي الصهيوني الذي يرى فيه خيالهم المهزوم والملتبس بوابة الدخول إلى عصر الحداثة.
إن هؤلاء الذين يدعون الليبرالية وأنهم يهدفون لتحرير الشعوب، هم في الحقيقة يحتقرون هذه الشعوب، ويصفونها بالدهماء والغوغاء، وهم على أتم استعداد لأن يطأوا الشعوب بأقدامهم وأقدام الغزاة والمستبدين لتحقيق تصوراتهم البائسة عن العالم، تلك التي تمثلها الليبرالية الجديدة، ليبرالية ما بعد الحداثة، أو ليبرالية العولمة، التي تعود في جذورها إلى منظِّري مدرسة شيكاغو ميلتون فريدمان وفريدريك هايك، وتلاميذهم النجباء رونالد ريغان ومارغريت تاتشر وجورج بوش الابن والتي تنظر إلى الإنسان نظرة نفعية عالمية مجرَّدة تتجاوز الأوطان والأديان والطبقات الاجتماعية، وتهدف إلى إفراغ تراث الشعوب من كل محتوى إيجابي، وزعزعة إيمان تلك الشعوب بأنفسها، من أجل قيادتها حافية القدمين إلى فك أو سوق العولمة المفترس، ونعرف جميعًا حجم الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ألحقتها هذه الليبرالية بالعالم في السنوات الأخيرة.
لهذا فلم يكن غريبًا أن نرى هؤلاء يخذلون شعبنا المرة تلو الأخرى، فهم الذين انسحقوا أمام العدو الإسرائيلي ويبرِّرون احتلاله لأرض فلسطين، وينادون بالتطبيع معه، ويقومون بالترويج لدعاواه بيننا، وهم الذين صفقوا لاحتلال العراق، وللعدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى غزة، وهم الذين أيدوا إنشاء جدار الذل والعار على حدودنا مع أشقائنا في فلسطين، بل ودعوا منذ أيام لشن حرب على غزة انتقامًا لحادث الإسكندرية المشؤوم، وهم كذلك الذين أيَّدوا مشروع التوريث، ويؤيدون جميع سياسات الرأسمالية المتقيِّحة الحاكمة في بلادنا التي تسحق أغلبية الشعب وتستحل حقوقها.
وهم ككل الأيديولوجيين انتقائيون حتى النخاع، فيعترضون على الدولة الإسلامية، ولكنهم يؤيدون الدولة اليهودية، ويعترضون على قتل الأمن لخالد سعيد، ولكنهم أيدوا قتل السلفي سيد بلال، وعبَّر بعضهم عن فرحته الشديدة بتلك المناسبة، وهم ينادون بتحرير الإنسان من سيطرة رجال الدين، ولكن يعترضون على تحريره من الأنظمة المستبدة التي تناسب طموحاتهم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى. لقد كان موسوليني مؤسس الفاشية أشرف منهم جميعًا، حيث أعلن منذ اليوم الأول لإطلاق مذهبه عدم إيمانه بالحرية أو الديمقراطية أو التعددية أو سلطة الشعب، أما هم فيؤمنون بالقيم الليبرالية حين يريدون استخدامها سياسيًّا، ثم يضربون بها عرض الحائط بعد ذلك.
واليوم ترتكب هذه الشرذمة أكبر الأثافي، حين يطعنون الإجماع الوطني من الخلف، ويقفون في وجه أية محاولة للانتفاض على النظام المتهرئ أو تغييره، فرأيناهم يسخرون من الدعوة ليوم الغضب، ويسيرون في الطرقات ومواقع النت يثبطون همم الناس عن المشاركة فيه، مستخدمين نفس الحجج والفزاعات التي تنعق بها أبواق النظام ليل نهار، وهي المحافظة على الاستقرار الذي هو ليس سوى جمود وحرمان وموت بطيء، والخوف من استيلاء جماعات الإسلام السياسي على السلطة، رغم أن هذه الجماعات نصفها يعمل كمخبرين لدى الأمن، والنصف الثاني يحمدون الله على نعمة التواجد على مسرح الأحداث ولو ككومبارس، ويطيعون تعليمات ضباط الأمن طاعتهم لله، كما أنهم يضربون على قفاهم منذ عشرين عامًا ولم يجرؤوا قط حتى على الدفاع عن أنفسهم، وأخيرًا فهم غير مؤهلين لإدارة شؤون قرية صغيرة فضلاً عن إدارة دولة.
إن هؤلاء الليبراليين الجدد يلعبون دورًا هامًّا منذ سنوات في تشويه معنى الليبرالية في مجتمعنا، وإفراغها من محتواها الإنساني، وربطه في أذهان العامة بالإلحاد والعمالة والتطبيع ومعاداة الطبقات المسحوقة، بينما أفكارهم ودعاواهم ومواقفهم تشي بأنهم في حقيقة أمرهم لا ينتمون إلا لفكر فاشي براجماتي لا تخرج مبادئه عن النفعية والفوضوية والاستبداد، ولهذا فكثيرًا ما كتبنا وسنكتب في إبراز الفوارق بين هذه الليبرالية المزعومة وبين الليبرالية الوطنية، التي هي إنسانية في المقام الأول، حيث تعلي من شأن القيم الإنسانية، وتدور معها أينما دارت، وتنتصر للإنسان كونه إنسانًا، وتنتصر لحق الشعوب في الحرية والسيادة والاستقلال، بصرف النظر عن حساب الأرباح والخسائر.
لا أتصور أن أحدًا يمكن أن يزايد على الاتجاه العلماني الليبرالي لكاتب هذه السطور، ولا على تصديه ما وسعه الجهد لكل الأيديولوجيات الشمولية وبخاصة الدينية منها، ولكن حين يتعلق الأمر بمستقبل هذا الوطن، فالليبرالية هي الانحياز للشعوب، والإيمان بحقها في الحياة الكريمة، والدفاع عن حقها في التحرر من الاستبداد.


الاثنين، 24 يناير 2011

نظرية إشارة المرور!


أيمن عبد الرسول
إضرابات، احتجاجات، منتحرون لأسباب شخصية، مزايدون يتربصون بأمن البلاد، زعيم تجريبي يعلن عدم نزوله اليوم 25 يناير، بدعوى عدم خطف الأضواء من الشباب، وشباب مصدَّق نفسه يريد نقل النضال من صفحته على الفيس بوك، إلى صفحة الحوادث، عنف مجاني بين المواطن وأخيه المواطن، وعيد الشرطة المصرية، الذي بذل فيه جنود الشرطة البواسل أرواحهم في مقاومة الاحتلال، يحاول البعض تشويهها الآن ببعض تجاوزات أفراد من جهاز الشرطة، نتقاتل فيما بيننا، ونتحد فيما لا يجمع شملنا، وفي مقالي السابق هنا وعدتكم أن أكتب عن نظرية إشارة المرور قبل ما "أولع في نفسي" ولكنني لن أولع في نفسي، لا لأن الحياة - عدم اللا مؤاخذة - حلوة، ولكن لأن بلدنا تستحق منا كل جهد وروح ومحبة، رغم طلوع روحنا، ومع ذلك، وردًّا على سؤال نصه: لماذا لا يثور المصريون؟! كتبت السطور التالية علَّها تفسِّر بعض ما تيسَّر من الهم!
أخوكم "أيمن" كان يتبنَّى نظرية، لا يعرف إن كان قرأها في كتاب، أو نسجها من وحي الواقع المعيش، أسماها نظرية إشارة المرور في كيفية إدارة النظام عبر عهوده العسكرية من انقلاب يوليو وحتى وقتنا الراهن.. إلا أنها – تلك النظرية غامضة المصدر – تطوَّرت ووضعت لنفسها خططها في هيئة عنوان "نظرية إشارة المرور من التبرُّم صمتًا إلى التبرُّم صوتًا".. ونص النظرية: "إننا لو فرضنا – وهو واقع – أن أتوبيس هيئة نقل عام خرج سالمًا من حوادث النقل وتوقَّف في إشارة مرور ثقيلة الظل – وهم كثر – لا ينزعج الركاب المنحشرون في ذلك الصندوق الصفيحي المسمَّى أتوبيس، إلا أن زمن الإشارة في توقف الأتوبيس طال مدة عشر دقائق.. يبدأ الركاب، أو فرادى منهم في التبرُّم صمتًا، بالتعبير عن غضبهم بالنفخ.. ويشاركهم آخرون، ثم تطول مدة التوقُّف أكثر، فيبدأ أحد الركاب الشرفاء في سب الإشارة، وعطلتهم عن الوصول لأعمالهم، يلتقط منه الخيط راكب آخر شريف، أيضًا، ويقارن بين وضعهم في هذا الصندوق الصفيح وبين سيارات كبار رجال الدولة، أو رجال الأعمال، وحبذا لو كان معهم في نفس الإشارة الحمراء سيارة سبور – رياضية – مكشوفة يشعل سائقها الشاب سيجارة تعبيرًا عن تبرُّمه، يستغل الركاب هذا النموذج للتسخين – تفعيل خطاب الغضب، يتدخَّل عنصر مساعد – وتطول مدة وقوف الأتوبيس، وهنا يتضامن كل الركاب الشرفاء في الاحتجاج ويقرِّرون النزول من الأتوبيس إلى الشارع في معارضة للإشارة الحمرا.. وهنا تتدخَّل إرادة الله ليتغير لون الإشارة إلى الأصفر رغم أن أحدًا لم يعبر الطريق.. ومن ثم إلى اللون الأخضر.. ويتحرَّك الأتوبيس قبل وصول التبرُّم صوتًا إلى التبرُّم فعلاً.. والتبرُّم تعبير عن الغضب.. فماذا يحدث للركاب الذين وصل زمن التبرُّم صمتًا وفعلاً.. وصوتًا في التجربة السابقة إلى نصف الساعة؟!
نحتاج إلى نفس الزمن مرة أخرى لمعايشة نفس التجربة.. وهذه التجربة دليل عملي على أننا شعب ذو ذاكرة مثقوبة لأننا لا نتعلَّم بالتراكم.. ففي كل موسم غضب.. نحتاج نفس المحددات ولا نتعلم من تجاربنا السابقة، فهل أخفق النظام في نظرية "إشارة المرور" بنظامه الدقيق الصارم في تحديد التوقيت المناسب لفتح الإشارة؟!
وهكذا لا تنتهي هزائمنا التي نكرِّرها بحذافيرها، لا النظام يخطئ في موعد فتح الإشارة، ولا نحن تعلمنا أنه لا فائدة، رغم أن الزعيم الوفدي القديم سعد باشا زغلول قالها قبل ما يقابل وجه رب كريم: مفيش فايدة..!
فـ"تحية" إلى الداخلية المصرية، في عيدها وتحية لجموع الشعب الثائر بينه وبين نفسه، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وعبر الـ sms وهنيئًا للتجار الذين سيبيعون للمتظاهرين ملابس التظاهر وساندويتشاته، وزمزمياته، وخليك فرش.. إحنا في رحلة، همَّا عاملين نفسهم بيحتفلوا، واحنا عاملين نفسنا بنتظاهر، وربنا يستر والحرية ما تستهبلش وتعمل نفسها ثورة.. وكل سنة وحضراتكم طيبين!

الأربعاء، 19 يناير 2011

أولع في نفسي؟!


أيمن عبد الرسول
كم مرة يا صديقي حاولت تنتحر، والانتحار جريمة شرعية وقانونية، في حق النفس والمجتمع؟ وهل الانتحار حلاًّ؟ أسئلة أظنها منطقية في ظل هوجة الانتحارات ذات المغزى السياسي، من تونس إلى الجزائر وموريتانيا، وأخيرًا وليس آخرًا في مصرنا الغالية، وكم تساوي حياة المنتحر احتجاجًا في ميزان السياسيين المصريين، وهل نحن بحاجة إلى استيراد ثقافة الانتحار؟ وماذا بعد الانتحار، يعني ما العائد على المنتحر حرقًا وعلى من يساندونه من المحتجين الذين لا يملكون شجاعته، ولأي هدف نولع في أنفسنا؟
والأمر بحاجة جادة لمراجعة مفهوم الثقافة المصرية عن الاحتجاج، من التبرُّم صوتًا إلى الاحتجاج حرقًا، ولماذا لا أبشر المستبشرين خيرًا بأن الحالة التونسية ستنتقل إلى مصر المحروسة، حتى لا يصعد المدَّعون المأفونون والأفاقون ومحترفو المزايدة على جثث المواطنين الذين ينتحرون لأسباب خاصة وفئوية، لا علاقة لها بالاحتجاج السياسي، ولا بالتغيير على طريقة المحتجِّين جعجعة على الفيس بوك، وصفحات النضال الهتافي النصي عبر الإنترنت، لماذا أرفض الحديث عن عدوى تونسية في مصر؟
فالإجابة ليست تونس، لأنه لم يحدث في تاريخ الحراك الاجتماعي المصري كله من لدن أول ثورة تاريخية على يد مواطن مصري مجهول في عهد الملك بيبي الثالث، مرة واحدة في الستة آلاف سنة من التاريخ المسجل لمصر.. وكانت هذه الثورة من حوالي 45 قرنًا في أواخر الأسرة السادسة، وكان يسيطر عليها ملك ضعيف هو الملك "بيبي الثاني"، الذي اعتلى العرش وعمره ست سنوات ولمدة 94 عامًا، وقد عرفت مصر في عهده، وقبل وبعد ذلك مائتي سنة أو أكثر من الظلام والفساد والانحلال والانهيار والانقلابات: انقلاب المصريين بعضهم على بعض.. والحروب القبلية الأهلية، فقد كان للمدن حكام وكان الحكام في حالة صراع، بينما تقدمت القبائل البدوية من الشرق والغرب تغزو البلاد.
وكل ما لدينا من معلومات مدوَّنة كتبها مؤرخ اسمه "أبوري" في كتاب اسمه "صرخة نبي"، وقد وصف المؤرخ المصري الكبير سليم حسن هذه الثورة بأنها كالثورة البلشفية تمامًا، قد حطمت وهدمت كل شيء.
أما الصرخة المدونة فهي تحفة أدبية كتبها هذا المؤرخ وهو يصف حال مصر للملك العجوز "بيبي الثاني". يقول له: إن الناس قد جاعت وماتت من الجوع، ولأن الناس عاجزون عن دفن موتاهم فقد نشطت صناعة الدفن، والعاجزون عن الدفن كانوا يلقون الجثث في النيل حتى أصبحت التماسيح ضخمة بسبب هذه الجثث، ولم يعد يستورد خشب الأرز من لبنان لصناعة التوابيت، وهجم الناس على قبور الملوك، وهجموا على طعام الخنازير فلم يعد أحد يجد طعامًا. وانقلبت الأوضاع في المجتمع، ولم يعد أحد يضحك، وحتى الأمهات لم يعدن ينجبن. والمرأة التي كانت ترتدي الكتان تمشي ممزقة، والتي كانت تملك المرايا لم تعد ترى وجهها إلا على سطح الماء، ولم يعد أحد يحترم الكبير ولا العالم ولا رجل الدين ولا أبويه.
وكان الناس يقولون: يا ليتنا متنا قبل هذا. وكان الأطفال يقولون: ولماذا أتوا بنا.. واللصوص صاروا أغنياء.. ولم يعد أحد منهم في حاجة إلى أن يتزوج، ففي فراشه كثيرات من بنات العائلات الغنية من أجل الطعام والشراب والمأوى، ولا أحد يخاف من رجال الأمن ولا النبلاء ولا الكهنة ولا الأسر المالكة. كلها لم يعد لها وجود، إنها تتوارى أو تهرب أو تلقي بنفسها في النيل.
ولكن التاريخ لم يقل لنا بعد ذلك، أي بعد قرنين من الزمان ماذا حدث في مصر؟
وكيف استقامت الأوضاع وكيف استأنف الفراعنة البناء والحياة والإنتاج، واستقر الحكم وعادت الآلهة إلى مكانها الرفيع من قلوب الناس وعقولهم.
إنها أكبر وأوسع وأعظم ثورة في التاريخ سجلها أديب شاعر مفكر لم نجد لها نظيرًا في ألوف السنين بعد ذلك!
هكذا ثار المصريون منذ 45 قرنًا، فهل قاموا بثورة بعدها، وهل نجحت؟ الحقيقة أن مراجعة الاحتجاجات في مصر تكشف عن أن معظمها فئوية، تطالب بمطالب محددة لفئة معينة، تعاني وضعًا رديئًا، وريثما تحل لهم الدولة مشكلتهم الخاصة، تنتهي الإضرابات والمظاهرات والوقفات الاحتجاجية، ولكن أن يجمع المصريون، كل المصريين هدف واحد يسعون إلى تحقيقه، لم ولن يحدث!
سيقول بعضهم: ولمَ الجزم؟ وأقول العبرة بالتاريخ والأحداث، لا التمنيات وأحلام العصافير، فالمصري عمومًا شخصية غير نضالية، ولا تحترف العمل الجماعي المنظم، بدليل عدم وجود عصابات منظمة، وتولع في نفسها لأي سبب، إلا التغيير السياسي، فثقافة الانتحار حرقًا اختراع مصري، كل بنت ترفض عريسًا تهدِّد بالجاز والكبريت، كل شخص مخنوق م الدنيا يولع في نفسه، أما لماذا لن يكرِّر المصريين تجربة الثورة ضد الملك بيبي المليون رغم تشابه المواضعات، فهذا حديث آخر عن نظرية إشارة المرور.. ربما أكتبه قريبًا قبل ما أقرَّر أولع في نفسي!

الأحد، 16 يناير 2011

ناصر الثورة.. وضحيتها!




أيمن عبد الرسول

"قتلناك يا آخر الأنبياء"، قالها نزار قباني يوم مات الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وأقولها اليوم مرددًا معنى عميقًا يسكنني كلما حاولت فهم شخصيته المتفرِّدة، وزعامته التاريخية بمقاييس عصره التي صنعت منه أسطورة، وكعادة الأساطير أنها لا تتكرر، ولا يملك أمامها المتابع إلا الحب أو الكراهية، الصعود ببطلها إلى أعلى السماء، أو الهبوط به إلى سابع أرض، تبدلت علاقتي بالزعيم، من خلال القراءة طبعًا.. من قمة الكراهية إلى قمة المحبة، فأنا ابن جيل السادات، إن صحت الرؤية، ابن النصر لا الهزيمة التي ندلِّلها باسم "النكسة"، وابن الانفتاح والفهلوة، لا أعرف لماذا أتذكر مرافعة النجم الراحل برضه بطل "ناصر 56" أحمد زكي ولكن في آخر فيلم ضد الحكومة، ولا أعرف أيضًا كيف أكتب عن جمال عبد الناصر دون التورُّط في الإعجاب به، ومحبته خصوصًا في ظل زمن أشباه الرجال ولا نقول الزعماء، في الوقت الذي يهرب فيه رئيس تونس خوفًا من بطش الشعب به وبأسرته، المتورِّطة في فساد بلغ الركب، وتستقبله السعودية بعد أن صدت في وجهه أبواب البلدان الديمقراطية، كان لا بد أن أتذكر الرجل الذي خرجت جموع الشعب المصري في الشوارع ليلة خطاب التنحي الشهير ترفض تنحيه وتطالب بعودته، نعم ربما كانت المرحلة الناصرية المستندة إلى شرعية يوليو، أقول ربما كانت مرحلة دكتاتورية، لكنها كانت المرحلة الأكثر ازدهارًا في تاريخ مصر، وإذا كان محمد علي الألباني العسكري هو باني نهضة مصر الحديثة، فجمال عبد الناصر بلا شك ورغم كل مساوئه هو مؤسِّس مصر المعاصرة، بالمشروع القومي العربي الموحَّد، رغم جني الفشل، بالسد العالي، بالانتصار للعمال والفلاحين، بنهضة صناعية لم نزل نسترزق من ثمارها حتى اليوم، بجيش قاد البلاد إلى نصر أكتوبر، بعد مرارة الهزيمة القاسية، بتأسيس مجتمع العدالة والاشتراكية وإن كانت الحرية لم تكن كاملة، وتلك عادة الحركات العسكرية التي يعلو فيها صوت الانضباط على صوت الحريات، جمال عبد الناصر هو ما تحتاجه الشعوب العربية الضالة، الدكتاتور العادل!
كان بن علي الرئيسي التونسي الراحل على قيد الحياة مستبدًا، ولم يكن عادلاً، كان من أفضل الرجال في علمنة المجتمع التونسي، والوقوف بحسم تجاه الأسلمة، كان نموذجًا للدكتاتورية العلمانية، ولكنه لم يكن أبدًا سياسيًا حكيمًا، تشعر أنه كان وعُصبته يلهون الناس بقضايا فرعية ويلتهمون كعكة الوطن، بينما كان في بلادنا عبد الناصر الذي لا تقر عينه إلا وهو يشعر برضا الشعب عنه، بغض الطرف عن رضا النخبة التي طالما اختلف معها لأنه كان يرى أنه القائد، وبمثال بسيط لو أنك تقود سيارة "بيجو 7 راكب"، وأنت الجالس في مقعد القيادة على يمين الطريق، وترى من زاوية واضحة مراياك الجانبية والخلفية، لا شك أن الركاب معك في نفس السيارة، سيرون الطريق بطريقة مختلفة، ومن زاويا مختلفة، وبالتالي يرون الحلول للمشكلات التي يواجهها القائد، من مقاعدهم.. هكذا كان عبد الناصر الذي يقود برؤية ويتحمل مسؤوليات القيادة بمبادئ المناضلين، ويحمل هموم شعبه على كتفيه، ويقود دفة الوطن بعيدًا عن تعليقات الركاب، ومما يثبت صحة وجهة نظري في الزعيم خالد الذكر ناصر، هو لجوء السادات إلى نفس آليات ناصر في التعامل مع معارضيه حتى أولئك الذين حاول تدجينهم، مثل الإخوان، والمتأسلمين، عبد الناصر كان واضحًا، حاسمًا، وهي صفات قائد حربي في ميدان القتال، كان حماسيًّا، يحارب إسرائيل بمنطق الطبلة والربابة، بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة، ها هو نزار يطل مرة أخرى بعد هزيمة حزيران، ولكنه في النهاية، يعترف "قتلناك يا آخر الأنبياء"!
مات جمال عبد الناصر بعد أن علَّم المصريين العزة والكرامة، وأذلَّ النخبويين الذين يثرثرون في العوامات وهم سكارى ويعتقدون أن تخريفاتهم سوف تصنع وطنًا يحلمون به، نحاكم ثورة يوليو الآن ونفتري على نتائجها، وأغلبنا لم يكن ليتعلم القراءة والكتابة لولا قيام الفلاحين العسكريين بها، ويتفلسف كل من هبَّ ودبَّ في ذمِّ يوليو وتاريخها ودماء ثوارها، يقولون قتلت الليبرالية، وغيَّرت مسار الطليعة البرجوازية المصرية، وهل يحتاج شعبنا المصري الليبرالية؟
سؤال حسمته تجارب رؤساء مصر من محمد نجيب إلى مبارك، نحن شعب بحاجة حقيقية وماسة إلى مستبد عادل، قائد حاسم يحملنا على ما نكره، حتى نعرف ما نحب، فنحب ما كرهناه، وعسى أن تكرهوا، وعسى أن تحبوا!
كان ولم يزل اسم عبد الناصر يحرك وجدان الشعوب العربية، ويحيلني دائمًا لتبني نظرية الدكتاتورية العلمانية، المصحوبة برؤية سياسية ومخططات تنموية في الإنسان، المواطن.. المشروع القومي الموحد، حمل الشعب على ما لا يطيق حتى يحقق ما يريد، كانت حركة الضباط الأحرار رغم كل مساوئها أفضل ألف مرة من الملكية الاستبدادية الطبقية الظالمة، كان حكم الشعب هو الأساس، لا حكم النخبة، ولذلك لم تثر الجماهير على عبد الناصر ولكنها ثارت، وصارت مع عبد الناصر، وسارت على نهجه، أما سقوط تجربة تونس العلمانية فليس لعيب في العلمنة بحد ذاتها، ولا تدهور أوضاع لبنان مسؤولية لبنان العلمانية التي منحت بعلمانيتها مثلاً للتعايش بين الدرزي والمسلم والماروني وحزب الله، العيب كان في شخص الرئيس الفاسد، زين العابدين والذي لم يكن مع شعبه، فخسر قيمة أن يكون شعبه معه، ومع ذلك لا مجال للمقارنة بين عبد الناصر مفجر ثورات المنطقة ضد الاحتلال، وبين زين العابدين مفجر ثورات شعوب المنطقة ضده!
مات عبد الناصر محتفًى به، وخرجت جموع الشعب العربي لوداعه، بينما لم يجد بن علي بلدًا تستقبله كمنفى سوى السعودية لأسباب دبلوماسية لن أتحرَّاها الآن، ولكنها مفارقة لا تخفى على اللبيب، استقبال الدولة الإسلامية الأولى في المنطقة لرئيس مغاربي مخلوع كان يعتمد العلمنة سبيلاً لنهب بلاده!
وفي النهاية رحم الله القائد العظيم والزعيم العربي الخالد عبد الناصر عندما قال: "ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"!
"إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ".. أي المستبد العادل!
والله والوطن من وراء القصد!

الجمعة، 14 يناير 2011

مرحبًا بكم في مدونة الكاتب أيمن عبد الرسول

الآن.. أون لاين صحيفة يومية اليكترونية رئيس تحريرها أيمن عبد الرسول
ترحب بكل رأي حر وتنشره بدون إذن صاحبه لأن هدفها هو نشر ثقافة التنوير والإصلاح الديني
أرسلوا موادكم للنشر على إيميل
ayman@alazma.com